رقصة الكومبو(Kumpo) ـــ قناع شعب الجولا التقليدي ـــ افتتحت الأيام الثقافية الكازامانسية في نواكشوط. ظهر القناع متوحشاً بسعف النخيل٬ تعلوه عصا شامخة فوق الرأس٬ ويدور في حلقات متواصلة٬ بينما تتجه إليه الأنظار بإعجاب واندهاش.
رقصة الكومبو (Kumpo) ــ قناع شعب الجولا التقليدي ــ خلال الأيام الثقافية الكازامانسية في نواكشوط، 28 ديسمبر 2025. أقيمت في نواكشوط النسخة الخامسة من الأيام الثقافية لكازامانس (Casamance)، وهي المنطقة الواقعة في جنوب السنغال، من 26 إلى 28 ديسمبر 2025. نظمتها جمعية "كاجامور"(Kajamoor) التي تضم أبناء كازامانس المقيمين في موريتانيا.
استمرت الاحتفالات ثلاثة أيام في ثلاثة مواقع مختلفة:
السفارة السنغالية وقاعة "كوردون بلو" للاحتفالات وحي الدائرة الخامسة، مقدّمة
تجربة ثقافية وروحية غنية للجمهور.
قناع شعب الجولا التقليدي أغومبالا عُرض في نواكشوط، 26 ديسمبر 2025.
|
عبَّر الكازامانسيون، من مختلف
الأعمار، عن هويتهم وتراثهم من خلال الموسيقى ورقصة «الكومبو» وأقنعة أخرى مثل نياس،
وأغومبالا، وساماي، وماساي، مقدمين هذا التراث للجالية السنغالية وأبناء البلد
المضيف الموريتانيين. شكّلت المناسبة أيضًا فرصة لقاء بين الأجيال، حيث يلتقي
الصغار بالكبار لتعلّم القيم والعادات القديمة والاحتفاء بتراث متجذّر.
أقنعة وتقاليد وفخر كازامانسي
تُعدّ منطقة كازامانس ملتقى
للثقافات واللغات والمجتمعات. ويحتلُّ شعب الجولا مكانة بارزة بفضل تراثه المتنوع،
الذي تمثّل الأقنعة أحدَ ركائزه الأساسية، إذ تمزج بين الجمال الفني والرمزية
والطقوس التقليدية، وتحمل قصص الأجداد وحِكمهم.
قناع شعب الجولا التقليدي انْياس في نواكشوط، 26 ديسمبر 2025.
|
عُرضت خلال الحدث خمسةُ أقنعة على
أنغام فرقة إيقاعية قادمة من كازامانس، لكل منها زيّ خاص ورقصة وأغانٍ مميزة.
ويُعدّ «الكومبو» القناع الأكثر شهرة، إذ يفتتح ويختتم هذه الاحتفالات دائمًا. تغطيه بالكامل ألياف نباتية، ويتوّج رأسه عصا خشبية قد تُثبت أحيانًا في الأرض لمساعدته على التوازن والدوران أثناء الرقص.
"الكومبو لايُعتبر إنسانًا، بل روح تحمينا. يبقى حامل القناع مجهولا، مغطّى بألياف وسعف النخيل. ولارتدائه يجب عليه التوارِي في الغابة برفقة شباب مهيّئين طقوسيًا، دون حضور النساء"، كما يوضح محافظ الأقنعة التقليدية لشعب الجولا٬ بكاري جيمي٬ القادم من كازامانس.
وتستحضر رقصة الكومبو الصيد في الغابة تحت حماية روح الأجداد، وتعلّم الشباب احترام التقاليد وروح التضامن المجتمعي. وهي موروث مقدّس عن الأجداد، ويرافقه أقنعة أخرى مثل انياس، الذي يحمل عصًا لتأديب الأطفال وتعليمهم. وتظل هذه الرقصة وسيلة أساسية لنقل القيم والحفاظ على التراث الثقافي للأجيال القادمة، بحسب ما يؤكد باكاري جيمي.
مع ذلك، يشير بكاري إلى أنَّ نقل هذه الأقنعة إلى موريتانيا يبقى معقّدًا ومكلفًا، قائلا : "نحن بحاجة إلى دعم سفارتي موريتانيا والسنغال و المنظمات غير الحكومية، لضمان استمرارية هذا الحدث في نواكشوط." تابعوا بقية الحديث مع بكاري جيمي على اليوتوب
كازامانس تنبض بعيدًا عن أرضها
الحسن غي، رئيس الجالية السنغالية في موريتانيا، نواكشوط، 26 ديسمبر 2025.
|
استقطبت الاحتفالات مختلف مكوّنات الجالية السنغالية في موريتاني، كمايوضح موسى ساني، رئيس جمعية كاجامور:
"يجمع هذا الحفل كل عام السنغاليين في موريتانيا، وقد تميّزت هذه الدورة بعرض خاص لجماعة الولوف بأزيائها التقليدية، بقيادة السيدة ياسين ديبو.
الثقافة هنا تقرّبنا من إخوتنا وأخواتنا؛ بل ما نقوم به شكلٌ من أشكال الدبلوماسية
الثقافية.
ياسين ديبو تقود الراقصات التقليديات الوولف، نواكشوط، 28 ديسمبر 2025.
|
أما السيدة ديبو فهي تقول:
"الألوان والأقمشة والنقوش التي قدَّمناها تعكس هويتنا
وفخرنا بالسنغال.فرغم البعد نظل متماسكين بالوطن .
| يمكنكم الاطلاع أيضا على تقريرنا عن الجالية العاجية في موريتانيا |
ويضيف إيبو باجان، عميد جالية الجولا:
"تضم كازامانس عدة عرقيات، من بينها الجولا، والباينونك،
والمندِنغ، والبالانت وغيرها. وقد أسسنا جمعية أبناء كازامانس في موريتانيا لتعزيز التماسك
الاجتماعي وتنظيم فعاليات ثقافية ودينية، مساهمين بذلك في التقارب بين موريتانيا
والسنغال.
وإن كان «الكومبو» يمثّل رمزًا للتماسك
الاجتماعي والتربية المدنية، فإن
صناعة القناع تتطلب مهارات عالية ومواد "مقدّسة"، ما يجعلها إرثًا ثمينًا.
بين التراث والغربة
المنصة الرسمية خلال الأيام الثقافية الكازامانسية في نواكشوط، 28 ديسمبر 2025.
|
على مدى الأيام الثلاثة، امتزجت الأغاني والرقصات والإيقاعات مع ارتداء الملابس التقليدية من مآزر وأزياء مزخرفة وحُليّ من الخرز. وفي منافسة ودًّية ترتدي الشابات اللون البني، بينما تفضّل السيدات الأكبر سنا اللون الأزرق، وقد يتجرأ بعض الحضور على مشاكسة "الكومبو" أثناء الرقص.
وتقول سيدة مسنّة من أبناء
كازامانس المقيمين في نواكشوط:
"كثير من الكازامانسيين يعيشون في الخارج لسنوات طويلة ويشعرون بالحنين إلى الوطن، فلا يمكنهم تفويت هذه المناسبة التي تذكرهم بثقافتهم.
تشكل أقنعة «الكومبو» وغيرها حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين كازامانس وأبنائها في المهجر، وبين الأجيال والمجتمعات. وتحمل رقصة الأقنعة رسالة واضحة، كما يختم بكاري جيمي بالقول : "حتى بعيدًا عن الأرض الأم، يبقى الفن و الثقافة قادرين على إبقاء الجذور حيّة والهوية متماسكة."
الشيخ التيجان تيونغان (يسار الصورة)، صيدلي ومسؤول في الجالية السنغالية في موريتانيا، نواكشوط، 26 ديسمبر2025.
|
________________________________________
للتعمق في موضوع أقنعة الجولا التقليدية:
بادجي عبدو (2023)، "مكانة قناع كومبو في بيئة الجولا في باس كازامانس"، في تاين، بينوا (دير)، المجلة الدولية للعلوم الاقتصادية والاجتماعية (RISES)، العدد 4، الفضاءات والتراث والتنمية المستدامة، إصدارات المحفوظات المعاصرة، مجموعة. "مطابع جامعة زيغينشور"، فرنسا، الصفحات 31-46.DOI: https://eac.ac/articles/8162
اشتركوا الآن لمتابعة آخر مستجدات موريتانيا الثقافية !